القدس: هل من خيار؟
القدس: هل من خيار؟
Hokal79@hotmail.com
بقلم: هاني عوكل
مفلس إلى أقصى الحدود، قرار نتنياهو "التجميد الجزئي" للاستيطان في الضفة الغربية لعشرة أشهر، مع استبعاد القدس عن وتيرة البناء الاستيطاني لجهة استعبادها طلباً للتحول الجيوسياسي في هذه المنطقة التي تتصاعد فيها عمليات التهويد المُتسارع.
إلى أي حد مفلس نتنياهو؟ الرجل أنتج هذا الموقف لينقذ نفسه من مطالبات الولايات المتحدة تجميد الاستيطان، ويبدو أن الترحيب الأميركي بمثل هكذا قرار، إنما يصب في صالح نتنياهو ويعزز من فكرة ضم القدس إلى مربع الهوية الإسرائيلية، ذلك أن المشكلة ليست في القدس وحسب، وإنما في الضفة الغربية أيضاً.
قبل أن تقول الأمة الإسلامية كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الأضحى المبارك، كان نتنياهو يأمر ببناء عشرات الوحدات الاستيطانية، آخرها جاء بمصادقته يوم الأربعاء الماضي، على بناء 84 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية لترتفع إلى 109 وحدات، فقط منذ إعلان رئيس الحكومة عن تجميد الاستيطان في الضفة.
هذا يعني أن نتنياهو غير جاد في وقف الاستيطان، لماذا؟ أولاً لأنه يدرك بأن شرعيته تتجدد يومياً كلما اقترب نحو اليمين وكلما اتفق مع المستوطنين على بناء المزيد من الوحدات الاستيطانية، وهذا موجود عند المجتمع الإسرائيلي الذي لا يعترض على مشاريع نتنياهو التوسعية في الضفة الغربية.
ثم ثانياً، ما قصة مهزلة التجميد المؤقت هذه؟ أليس هذا القرار يشبه موقف نتنياهو من الدولة المؤقتة؟ نعم خصوصاً وأن القرار يصب أساساً في خدمة موقف نتنياهو إزاء الدولة المؤقتة، ولذلك هو يستعيض عن مفهوم الدولة السيادية بتكريس واقع الدولة المؤقتة إن وُجدت، ونراه يعزز من الوجود الاستيطاني في الضفة، وأما القدس فلها حكاية أخرى.
وأخيراً يبدو أن الاتحاد الأوروبي أخذ يلاحظ إصرار الرئيس عباس على عدم التفاوض مع إسرائيل تحت ضغط الاستيطان، فالأميركان يعرفون جيداً عن الاستثناء الإسرائيلي للقدس من أية مفاوضات، ويعرفون جيداً معنى أهمية التقرير الأوروبي السري الذي يذهب إلى حد توجيه انتقادات قوية لإسرائيل على جملة المخالفات التي ترتكبها في القدس، خصوصاً الجزء الشرقي منها.
التقرير الذي وضعه قناصل الاتحاد الأوروبي في القدس ورام الله، يأخذ مؤشرين، الأول أنه يطالب بدعم السلطة الفلسطينية وتعزيز مكانتها في القدس، والثاني أنه ينتقد الانتهاكات الإسرائيلية المتمثلة بتغيير الواقع الديمغرافي لصالح إسرائيل، وإطلاق يد الجمعيات الاستيطانية لخلق الهوية الإسرائيلية في المنطقة وتهويد ما يحيط الحرم القدسي الشريف.
لكن لماذا يخرج هذا التقرير الآن؟ لقد كانت إسرائيل مصممة على تهويد القدس وهي سعت بكل قوة لتحييد هذه المدينة عن كل أنواع المفاوضات سواء مع الفلسطينيين أم مع الرباعية الدولية وأوروبا وغيرها من دول العالم. وهي أي إسرائيل كانت تهدف للرد على محاولات تقسيم القدس إلى شرقية فلسطينية وغربية إسرائيلية، بالاتجاه نحو الغلاف الجغرافي الشرقي لتغيير كافة معالمه الديمغرافية التي توحي بأنه فلسطيني عربي.
لقد عمدت إسرائيل إلى وقف الوجود الفلسطيني الرسمي في القدس، وأنهت خدمات المؤسسات الرسمية بالشمع الأحمر، وتزامن مع ذلك لا بل قبل ذلك، أعمال الحفريات التي من شأنها تغيير المعالم الإسلامية هناك، وذهبت إسرائيل بكل قساوتها إلى إلغاء الهويات المقدسية وسحب المنازل من ساكنيها.
التقرير الأوروبي يزكي حتمية الانتهاكات الإسرائيلية، حينما يقول إن سلوان المقدسية لم تحصل منذ العام 1967 سوى على 20 ترخيص للبناء، في وقت لا يحصل فيه المقدسيون إلا على 200 ترخيص للبناء من بلدية القدس، وهذا لا يغذي حاجتهم السنوية لأكثر من 1500 ترخيص، في وقت لا يحصلون فيه سوى 5 إلى 10% من الميزانية المخصصة للقدس، بالرغم من أن عدد الفلسطينيين يتجاوز 250 ألف مقدسي في القدس الشرقية.
هناك أيضاً ما يؤكد مساعي إسرائيل لسياسة التغيير الديمغرافي عن طريق إتباع نهج "الهوية والولاء"، فحسب تقرير صدر عن صحيفة "هآرتس" العبرية الأربعاء الماضي، نجد أن حوالي 4577 من سكان القدس الشرقية حرموا من إقاماتهم في المدينة خلال عام 2008. هذا الرقم يشكل أقل من نصف عدد حرمان المقدسيين من إقاماتهم في مدينتهم خلال أربعين عاماً، إذ منذ العام 1967، وحتى 2007، بلغ عدد من سُحبت إقاماتهم 8558.
طبعاً هذه الإحصائيات إسرائيلية وبالتأكيد مشكوك في أمرها، بمعنى أنها لا تعكس الواقع طالما كانت المعركة ديمغرافية، لكن من المهم استحضارها للتدليل على أن هناك سياسة تقوم على عملية الإفراغ المنظم للمقدسيين مقابل ضخ الآلاف من الإسرائيليين والمستوطنين لصالح المعركة الديمغرافية، تتزامن مع توسع استيطاني إحلالي.
جواباً على صدور التقرير الأوروبي، ربما يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي يسعى لخلق التوازن الدولي في المنطقة، خصوصاً في ظل أربعة عوامل، الأول أن هناك توجهاً إسرائيلياً لتسوية الصراع وفقاً لميزان القوى المختل والقائم على "أحادية القوة.. أحادية القرار". أما العامل الثاني فيتصل بالموقف الأميركي الذي يلاطف إسرائيل وينحني لها بالقبعة كل الوقت.
العامل الثالث يرتبط بإدراك الاتحاد الأوروبي أن فشل المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وتنحي الرئيس عباس عن السلطة مع وجود "حماس" في السلطة، قد يعني اندلاع انتفاضة ثالثة. الخوف الأوروبي هنا أن تكون هذه الانتفاضة إسلامية وتحصل على قلوب المتعاطفين معها في كل مكان، وبالتالي هي تخاف من أية ردات فعل قد تؤثر على الوضع الأوروبي بشكل عام، كما كان سائداً إبان الانتفاضة الأولى وعقدة تصدير مفهوم "الانتفاضة".
أما العامل الرابع فله علاقة بدور الاتحاد الأوروبي في ملء الفراغ الذي يتركه العرب دائماً، ذلك أن العرب غير قادرين على أخذ موضوع الصراع على محمل الجد، ربما لأن أوضاعهم الداخلية غير محسومة، وربما لأن جزءاً كبيراً منهم مرتهن لإرادة الغرب، وربما أيضاً لأنهم متفقون على الاختلاف فيما بينهم وهذا ما يفسر ضياع قوتهم بين التقسيمات الجهوية.
على كل حال، ينبغي حشد الطاقات الفلسطينية لمواجهة معركة القدس، فذلك لا يأتي بطلب التمنيات وصلاة الجمعة في المسجد الأقصى وباحاته وحسب، وإنما من الضروري أن تقف السلطة بقضها وقضيضها لمواجهة المشروع الإسرائيلي التطهيري، إذ لم يعد تطهيراً عرقياً يستهدف الناس، وإنما هو أيضاً تطهير للهوية الفلسطينية المقدسية وللجغرافيا والتاريخ الإسلامي والحضاري في المنطقة.
ولا يمكن الاستهانة بالتغير في الموقف الأوروبي الذي يدرس تقسيم القدس وإعلان الجزء الشرقي منها عاصمة للدولة الفلسطينية، مع الاعتراف بهذه الدولة. إن تقرير المصير الفلسطيني بأيدي الفلسطينيين وحدهم، لا بأيدي العرب ولا بأيدي الأوروبيين. لماذا لا نحج جميعاً إلى القدس... قد لا نحتاج إلى الورقة المصرية، وقد نتخلى عن كل أنواع الحساب ومشاريع التقسيم الداخلية. هل من خيار؟
ليست هناك تعليقات: