خطوة على طريق (إسرائيل الكبرى) سوسن البرغوتي
لم يعد أمام "اسرائيل" أي عقبة تُذكر للاستمرار بتهويد مدينة القدس، كوحدة واحدة لا تُجزأ، فالشطر الغربي منها، احتله المستعمرون عام 1948، ولم تعد القيادة الفلسطينية أو الكثير من الفلسطينيين، يطالبون أو حتى يذكرون لفتة، دير ياسين، بدّو وعين كارم، وغيرهن. أما الجزء الشرقي، الذي احتلته "اسرائيل" عام 1967، هو موضع الخلاف القائم، تحت ذريعة إحلال "السلام العادل". يا للمفارقة الفظيعة، حينما يقبل المفاوض الفلسطيني تجزئة المدينة، وأية مدينة!، في حين يعمل العدو ليل نهار، لتثبيت مكانة القدس الكبرى كـ(عاصمة أبدية موحدة للدولة اليهودية)!.
والعجيب أن ما تقوم به "إسرائيل" ليست سياسة مستحدثة، بقدر ما هي خطوة للأمام، بعد
تعيين أمناء على حفظ أمنها وحمايتها في (يهودا والسامرة). وما أن لوّح الاتحاد الأوربي بسياسة الجزرة، باتخاذ اجراءات عملية لمنع تهويد القدس"الشرقية"، حتى تنفست سلطة الاستسلام الصعداء، وعادت الأوهام ثانية تطرق فكر من استهوتهم عملية السلام المزعوم، فراحوا يشحذون هممهم الهزيلة من خلال الدور الهزلي للاتحاد الأوروبي للنفخ في قربة ممزقة، لإنقاذ عملية الوهم من الموت، ورمي طوق النجاة لدعاة "حل الدولتين"، الذي سرعان ما تبخر أمام رفض الإدارة الأمريكية، انسحاب " اسرائيل" من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ووقف البناء في المستعمرات في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس "الشرقية" خلف ظهرها وعلانية، والسؤال المطروح، كم من الصفعات يحتاج رعاة المبادرة العربية ودعاة التسوية، كي يستفيقوا؟. يبدو أن الغريق يعتقد جازماً أن القشة ستنقذه، والحقيقة أن ريشة تتقاذفها رياح الخصوم والحلفاء، ليست أكثر من ملهاة وأكاذيب مضللة.
ولنقف على حقائق الأمور، علينا استعراض ما تقوم به "إسرائيل" على أرض الواقع في الضفة والقدس.
- عزل الشعب الفلسطيني في القدس عن أهله في الضفة الغربية ومحيطه العربي، بجدار تم بناؤه في عهد السطو الأوسلوي.
- نجاح الجنرال دايتون في تدريب قوات الأمنية، ليقوموا بدور كلاب الصيد واقتناص المقاومين في الضفة الغربية المحتلة.
- ازدياد المستعمرات في الضفة، وتقطيع أوصالها، وصولاً إلى أن يصبح السكان الأصليون "أقلية" في وطنهم، وتهويد القدس بالكامل عبر هدم المنازل وطرد أهلها منها.
- سحب الهوية من ما يقرب من خمسة ألاف مواطن في القدس، خلال العام الماضي، وإثقال كاهل الشعب في القدس بضرائب باهظة مما سيضطرهم للهرب، ولكن إلى أين؟!، الضفة التي تآكلت معظم أراضيها ولم تعد تحتمل مزيداً من السكان.
- إبعاد كل من يتمسك بالقدس (العربية)، وكأن الجزء الثاني ليس عربياً، والشروع في تنفيذ مخطط تقسيم الأقصى.
- افتتان قيادتنا "الرشيدة" والسذج من أبناء شعبنا أو غسل عقولهم بطريقة أسهمت إسهاماً مباشراً في كيّ الوعي واستسلامهم للأمر الواقع المتمثل في مقولة: مصلحتي ومن بعدي الطوفان، فأصبحوا يتسابقون نحو المنظمات الدولية والمحبة "للسلام" إلى درجة مذهلة، حتى باتوا يستسيغون التعايش مع هؤلاء المحتلين، مما يؤدي بالتالي إلى إلغاء الثقافة الفلسطينية الوطنية.
- إزالة كل أثر عربي في القدس، ليس إسلامياً فحسب، إنما كل ما يمت لتاريخ المدينة، وقد ذكر الدكتور حسن خاطر،( ليس عبثا أن تشرع سلطات الاحتلال في هذه الفترة بالعبث بكنيسة القيامة أيضا ومحاولة فتح باب في الحائط الغربي للكنيسة، مؤكداً أن هذا يعد مساساً خطيراً بأقدس مقدسات المسيحيين، وهو جزء لا يتجزأ من سياسة التهويد الشاملة التي تنفذها سلطات الاحتلال خلال هذه المدة)، ناهيك عن ما حذر منه الشيخ رائد صلاح بشأن التخطيط لإقامة كنيس مكان مصلى المتحف الإسلامي في الأقصى، وتقويض أساسات المسجد الأقصى، بالحفر المستمر تحته وفوقه.
- تدجين الشعب الفلسطيني في الضفة، تحت ذريعة الانفتاح وتبادل الزيارات واللقاءات مع المحتلين، لإيجاد قواسم مشتركة، تساعد عملية "السلام بين الشعبين"، ولم يقتصر الأمر على التطبيع الثقافي والسياسي، بل طال عقد اجتماعات لشخصيات اقتصادية من أجل مشاريع مستقبلية كقناة البحرين ومنتجعات على شاطئ البحر الميت.
- انتشار المخدرات والتشجيع على انحرافات النشء، لقتل متعمد لإرادة الحياة والعيش بشكل سوي، فضلاً عن تفاقم المشكلات الاجتماعية الأخرى بسبب البطالة والفقر والتجهيل. قد يجيب أحد ما، أن هذه النقطة، يعاني منها كل شعوب العالم، لكن فلسطين محتلة، وهذه الآفات تزيد من الضغوط على الشعب، لينشغل بأمور أخرى، تبعده عن تحرير بلده.
- أوهام "الدويلة" وأن السلام ممكن بالنضال السلمي، فهذا النوع من النضال، لا يصلح في بلاد محتلة، يخوض شعبها معركة التحرير، فكيف إن كان استيطانياً إحلالياً؟!.
- تزوير التاريخ، وأنهم من نسل الأنبياء، وهؤلاء القادمون من الغرب، لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بتاريخ فلسطين تحديداً، ولا بالتاريخ العربي، وتشويه الجغرافية، لانتزاع فلسطين من حاضنتها وبعدها العربي.
- تقزيم القضية الفلسطينية وتحويلها إلى قضية "دولة" في الضفة والقطاع، لا قضية وجود وحق
شعب في كامل أرضه.
- منح ما يُسمى القرارات الدولية "شرعية" المجتمع الدولي، لتعزيز الوجود الصهيوني على لأرض الفلسطينية.
إن "إسرائيل" تسابق عامل الزمن، لتنفيذ مخططاتها وكل ما تستطيعه للقضاء على الوجود الفلسطيني في الضفة وما تبقى من القدس، هذه خطوة مهمة لا يجب التغافل عنها، فإن نجحت في تثبيتها على الأرض، ستنتقل إلى خطوة أخرى، فما هي يا ترى؟!.
ولعل هذا التساؤل يأخذنا إلى تصريحات "إسرائيلية" خطيرة تظهر بين الفينة والأخرى تشير إلى اعتبار الأردن هو الأرض البديلة لقيام الدولة الفلسطينية عليها، وآخرها تصريح موشي ارينز، وهو لا ينطق بمزاج خاص، إنما على خلفية أن أرض فلسطين، كلها (أرض اسرائيل)، وقد اعتبر أن هناك ثلاثة كيانات فلسطينية قائمة في الأردن، الضفة الغربية وقطاع غزة!.. على هذا النحو، فإن الأردن، أصبح على مرمى الهدف "الإسرائيلي"، ففلسطين (أرض الالتقاء والموعد)، والضفة الشرقية، هي المهيأة لتكوين الدولة الفلسطينية!. وما هذا التصريح إلا إستراتيجية ثابتة لـ "إسرائيل" وليست تخريفاً أو تصريحات عابرة.
والسؤال هنا، متى يصرخ الشعب الفلسطيني بملء فيه: نحن غير ملزمين بكل الخطط الاستعمارية، ويعلن تمسكه بعروبة فلسطين من البحر إلى النهر، ويثبت بكل ما أوتي من قوة أنه أهل لتحرير أرضه أولاً.
ومتى يعلنها وعلى الملأ، لا.. لاستجداء العدو وحلفائه، والمقصود المفاوضات العبثية، ولا للركون إلى مؤسسة عجوز هرمة اسمها الجامعة العربية، وأنظمة عربية مهترئة، ولا للانكفاء في حضن أمريكا، والارتماء تحت أقدام طابور الاتحاد الأوروبي!.
فعندما نستجدي من أوجد هذا الكيان على أرضنا، ونقبل بأي حل التفافي أو بتسوية مع العدو، تصبح الخطوة القادمة جاهزة للتطبيق. قانون "إسرائيل" هو نفسه قانون القوى الاستعمارية التي زرعت السرطان في قلب الأمة العربية، لذلك فالاحتكام له، أشبه بمن يستجير بالرمضاء من النار، فهل من يحتكم لصوت العقل والحق؟!.
ليست هناك تعليقات: