في ذكرى الإنتفاضة
في ذكرى الإنتفاضة
إرهاصات الوعي بحقيقة الذات ، إرادة حياة ...ومقاومة
بقلم :حسن حسين الوالي-غزة -فلسطين.
بعد زمن أدركت ماذا كانت تعني في قاموس السياسة و أبجديات الصراع مع الكيان , ما كنت أقوم به أنا و أقراني أطفال مخيم جباليا من سلوك يومي باتجاه قدر جاثم على صدورنا في قلب المخيم ،فقد فتحنا أعيننا على الدنيا لنرى برج معسكر الجيش قبل أن نرى بسمات أعين أمهاتنا ونسمع ضحكات جنوده قبل أن نطلق في هذا العالم أول صرخة لنا , فمن مفارقات القدر أن عيادة الولاة الوحيدة في مخيم جباليا التابعة لوكالة الغوث كانت ملاصقة لجدار معسكر جيش الاحتلال في وسط مخيم جباليا ,فالواحد منا في لحظات مولده الأولى كان يدخل الحياة برسم من الموت القابع في معسكر الجيش .
وعلى تراب هذا المخيم درجنا وتربينا بين أزقته و تعمدت أقدامنا الصغيرة برمادية ترابه المخلوط بحنين العودة للديار فكان سلوكنا اليومي تجاه هذا القدر الجاثم في وسط المخيم هو سلوك ينبع من تربيتنا الدينية والعقائدية وما إستمديناه من التاريخ وحكايا الجدة والأم عن أبطال نتخيلهم عمالقة يلثمون وجوههم بالكوفية ويحملون "البارودة " أو "الكارلو" لهم المخيم في الليل , وهو لجنود الاحتلال في النهار ،وإستمديناه من حالة الرفض العامة والاستنكار لهؤلاء الجنود الراطنون بلغة لا نعرفها وعندما عرفناها لم نستوعبها أو جنود أخرون يرطنون بلغة عربية لم نعتاد عليها لغة حذفت منها مفردات الكرامة والعزة والإباء وأحلت محلها مفردات الخنوع والاستسلام والذل .
كما أن هذا السلوك طورناه كحالة طبيعية للدفاع عن الذات المادية والمعنوية تجاه غاصب حاقد استهدف فينا كل شيئ ،،، بيوتاً و أرواحاً وأجساد وحتى أحلام طفولة .
هذه المحددات للعلاقة مع المحتل الصهيوني كنا نعبر عنها في كل مرحلة من العمر بشكل وفي كل مناسبة بطريقة فكلمة "بيعوا " كنا نقذفها في وجه المحتل كقنبلة الفدائي قد تكون عبارة عن كلمة عادية من أربعة حروف ولكنها كانت لنا بالفعل قنبلة كنا نتخفى بين أزقة المخيم ونتحين مرور الاحتلال راجلاً أو على آلياته فنملأ قلوبنا بعزيمة ويزداد جبيننا ضيقاً وعيونناً حدة ونملأ صدورنا بأكبر كمية من هواء المخيم الممزوج بعبق العزة ونقلص حنجرتنا حتى تتحول أحبالنا الصوتية إلى وتر مشدود على قوس ، ثم نطلقها بكلمة "بيعوا " قذيفة في وجه جندي الاحتلال وسمعه , ثم بعد ذلك نفر لأن النتيجة معروفة يهرول الجنود ليلحقوا بنا بين أزقة المخيم ولكن هيهات لهم أن ينالوا منا فهذا المخيم الذي حوله عوز ساكنيه إلى مأوى حوله إلى اعقد طبيعة طوبغرافية قد يواجهها عسكري ,هذه الطبوغرافية التي حاول أن يطوعها شارون بدباباته بتوسيع شوارع المخيم فلم تنهزم ولم تنزع المقاومة من المخيم لأن المقاومة انتقلت من الطوبوغرافية إلى الديموغرافية و توحدت بالجماهير .
كبرنا وكبرت معنا فلسطين وتحولت ردات فعل الطفولة إلى فهم لمعنى المقاومة , فتحدينا قدر التجهيل والعبودية عند " المشغل اليهودي" في بيارة كانت يوما ملكاً لأفندى فلسطيني و أدركنا انه بالعلم نصنع مقاومة نعبر عنها أنيا بتلك الضربات على حقائبنا المصنوعة من قماش -الله يعلم ماذا كان قبل ذلك ، ونعبر عنه بأول كلمات نخطها على جدران المخيم " بالروح بالندم نفديك يا فلسطين " وبالجدول السنوى للمقاومة مظاهرات و مواجهات حجارة وقنابل ملوتوف و كاوتشوك .
إذا كان قدر مركز الجيش في وسط المخيم عنوان قمع وإرهاب و احتلال فإننا جعلنا هذا القدر بان يكون وسط مدارس المخيم من الغرب مدارس البنات ومدرسة الفالوجا ، ومن الشمال مدارس الفاخورة وأبو حسين ، ومن الشرق مدارس السوق فليعش هذا المغتصب قدره الذي كنا نصبه على رأسه جحافل تزحف من الغرب والشمال والشرق تصب على رأسه ومبانيه وجنده وقدره حجارة ومولوتوف وكاوتشوك غضب ومقاومة .
هذا هو المخيم الذي هيأه رب العالمين لأن يتشرف بإحتضان الشرارة الأولى للمقاومة فقد كانت ليلة 8ديسمبر 1987م ليلة من ليالي كانون الباردة التي سبقها صيف وخريف ساخنان على صعيد المقاومة حيث كان كل الوطن يعيش حالة من الغضب العام و اشتداد جذوة المقاومة خصوصاً وأن المحتل حاول أن يستكمل ما بدأه العرب في قمة عمان عندما تعاملوا مع القضية الفلسطينية بدرجة دنيا من الاهتمام وكأنهم تعبوا من حملها ويريدون لها حل على طريقتهم ، وهاهو الاحتلال يحاول ان يكمل في الداخل ما بدأه العرب في ساحات الخارج فأخذ يمارس أقصى درجات الإذلال والضغط على أبناء شعبنا لكسر شوكة المقاومة حتى كانت حادثة الشاحنة في مساء 8 ديسمبر والتي ذهب ضحيتها شهداء من أبناء قرية جباليا البلد هذه الحادثة لم تأتي بشكل عفوي بل كان مخطط لها نفذها الصهيوني المجرم انتقاما لعملية طعن مستوطن إسرائيلي في مدينة غزة .
كان مخيم جياليا يتهيأ لليلة جديدة من ليالي كانون الطويلة يمارس فيها الاحتلال العربدة و اعتقالات وتفتيش بيوت وإطلاق نار كثيف وقنابل مضيئة , توزيع بلاغات وإستدعاءات , ولكن هذه الليلة لم تكن طبيعية فقد جاء خبر الشهداء وسرى كتيار صاعق في هذا البارود الثوري المتقد وخرج سكان مخيم جباليا بكل فئاتهم وأعمارهم وتوجهاتهم وتضامنوا مع جيرانهم في جباليا البلد تضامن على طريقة المخيم الخاصة وبنكهة المقاومة ، هجوم على مركز الجيش جحافل وحجارة وملوتوف وكانت ليلة احتفالية تليق بليلة الإعلان عن الشرارة الأولى للانتفاضة الرصاص في كل مكان في الجو وبين البيوت وفوق الرؤوس والغضب يصرخ ويدوي في كل مكان مع أزيز الرصاص ودوي القنابل وفجأة هدأ كل شيئ كما بدأ ولكنه هدوء كان ينذر بأن صباح يوم غد لن يكون كإصباح الأيام الماضية نعم فقد نام المخيم محتضناً في صدره الانتفاضة .
وإستيقظ المخيم في الصباح المبكر مطلقاً من صدق الإيمان بالله ووعده الصادق من حنين الماضي وألم الحاضر وأمل المستقبل الطائر الأسطوري ليحلق في سماء العالم معلناً عن أن هناك في فلسطين "انتفاضة " .
هذه هي الانتفاضة كانت بالنسبة لنا ولكننا بعد ذلك أدركنا بان الانتفاضة في مفهوم الصراع مع الكيان كانت شيئ آخر فبعد سقوط آخر خط مواجهة مع الإحلال بفقدان الجبهة الرابعة والأخيرة بالخروج من بيروت قدمت الانتفاضة جبهة خامسة ولكن هذه المرة في خاصرة المحتل وعلى أرضنا .
وبعد أن تنكر لنا كل العالم بداية من أبناء عروبتنا و ظهور مخططات الشطب و التذويب للقضية والهوية الفلسطينيتين جاءت الانتفاضة لتؤكد على مركزية القضية الفلسطينية وبان هذا الشعب لا يمكن أن يشطب مازال يعيش حالة المقاومة .
فقبل الانتفاضة بعد مشوار طويل لخط المقاومة داخل شعبنا و ما واجهه من مؤامرات تحت دعاوي الحلول السياسية الواقعية أصبح هذا الخط يواجه مخاطر في الإلغاء والبحث عن وسائل أخرى بدعوى أنها أكثر واقعية فأتت الإنتفاضة لتنتصر لخط المقاومة وتؤكد على إنها الخيار الأمثل لتحقيق أهدافنا الوطنية وردع المحتل الغاصب عن المضي في مخططاته .
فمهما كانت الإنتفاضة في حسبة السياسيين أو جهابذة التخطيط والإبداع الإستراتيجي فإن الإنتفاضة لشعب الإنتفاضة تظل تلك الحالة العقائدية الإيمانية والفكرية والوجدانية والإجتماعية والسياسية والعسكرية التي تعبر عن شعب يدرك ويعي حقيقة ذاته و الغاية والمعنى من وجوده مرابط على هذا الثرى المقدس وتعبر عن إرادة في الحياة بكرامة وعزة وعن تحدي المحتل بكل ما يحمل من قوة وغطرسة وحقد وعنصرية وتحالفات وتآمرات فهي بالمعنى المجرد تعبر عن الوعي الإيماني السليم للذات والمقاومة والإرادة في الحياة الكريمة .
حسن حسين الوالي-غزة فلسطين
ليست هناك تعليقات: